الدستور الأردني
نصَّ الدستور الأردني في المادة (6) على أن: “الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإنِ اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”، إلا أن الدستور لم يضمن حرية الدين والمعتقد، ولم يتطرق إليها في أيٍّ من بنوده، في حين ضَمِن حريةَ القيام بالشعائر الدينية للديانات المعترَف بها من قِبل مجلس الوزراء فقط، وقيَّدها بضرورة مراعاتها للعادات في المملكة.
وتنصُّ المادة (14) على أنه: “تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقًا للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مُخِلَّة بالنظام العامِّ أو منافية للآداب”. وتتلاءم هذه النصوص الدستورية إلى حدٍّ ما مع اتفاقيات دَولية مَعنيَّة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كالعهد الدَّولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقَّع عليه الأردن عام 2006، والذي تَضمَّن نصوصًا وأحكامًا متعلقة بحرية الدين والمعتقد، إذْ ألزَمَتِ المادةُ الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدُّوَلَ الأطراف في هذا العهد، التعهدَ بكفالة الحقوق المذكورة فيه لجميع أفرادها الموجودين في إقليمها والداخلِين في ولايتها، دون تمييز على أساس الدِّين أو العِرق.
“في حين تخضع ستُّ طوائف مسيحية للولاية القضائية للمحاكم الدينية، التي لها صلاحية النظر في شؤون أعضاء تلك الطوائف والبَتِّ فيها. أما باقي الديانات والطوائف الموجودة على الأراضي الأردنية، فلا محاكم لها. ولا يزال أعضاء الطوائف غير المعترف بها يواجهون مشاكل في تسجيل عقود زواجهم، والانتماء الديني لأطفالهم.
وقد منَحَ الدستورُ سِتَّ طوائف مسيحية الحقَّ في إنشاء محاكمها، إذْ إنه وفقًا للفصل السابع من الدستور، تندرج القضايا الخاصة بالأحوال الشخصية والعائلية للمسلمين تحت الاختصاص القضائي لمحاكم الشريعة،
وفق رصد تقرير الحرية الدينية حول العالم 2017، الصادر عن سفارة الولايات المتحدة في الأردن، قامت هيئة الإعلام عام 2023 بحظر توزيع 15 كتابًا بتهمة إهانة الإسلام، وخمسة كتب بتهمة إهانة المسيحية، و19 كتابًا لتَضمُّنِها محتوًى “غير أخلاقي”. وقد جرى حظر 20 كتابًا في عام 2020.
وتُنظم هيئةُ الإعلام الحكومية نشْرَ جميع الكتب وتوزيعَها ومراقبة وسائل الإعلام. فإذا رأت هيئةُ الإعلام وجودَ فقرات “تنتهك الأعراف والقيم العامة، أو مسيئة دينيًّا، أو تهين الملك”، يمكنها أن تطلب أمرًا من المحكمة بمنع توزيع الكتاب.
يَحظر قانونُ المطبوعات والنشر نشْرَ مواد إعلامية مِن شأنها التشهير أو الإساءة إلى “مؤسِّسِي الدين أو الأنبياء”، أو التي تُعتبر تحقيرًا لِـ”أيّ من الأديان التي يَحمي الدستورُ حريَّتَها”، ويَفرض غرامة على المخالفِين تصل إلى 20000 دينار (28200 دولار).
عدم الاعتراف بالمكوِّنات
لم تعترف الحكومةُ بِخمس جماعات مسيحية كطوائف، بَيْد أنها مسجلة -ومُعترَف بها- كجمعيات، وهي: الكنيسة الإنجيلية الحرة، وكنيسة الناصري، وجماعات الله، والتحالف المسيحي التبشيري، والكنيسة المعمدانية.
ولم يُعترَف رسميًّا ببعض المجموعات الدينية، ومِن ضِمْنها كنيسة يسوع المسيح لِقِدِّيسِي الأيام الأخيرة (المورمون)، وشهود يهوه.
على الرغم من عدم الاعتراف، فإنَّ بعض تلك المجموعات غير المعتَرَف بها ما زالت تدير المدارس والمستشفيات، وتمكنت من عقد الخدمات والاجتماعات إذا كانت بعيدة عن الأنظار، وتمارس التبشير.
ووفق تقرير الحرية الدينية حول العالم 2022 ، فقد واصلت السلطات الأردنية رفْضَ منْحِ ترخيص لكنيسة مسيحية غير معتَرَف بها لتشغيل دار نشر، ورَفْضَ الموافقة على إنشاء مدرسة معمدانية خاصة في مدينة الزرقاء. (راجع)
ومع أن جميع المجموعات الدينية متساوية في نظر الدستور، فقد مارست الحكومةُ الاستنسابيَّةَ تجاه مجموعات مسيحية معيَّنة، لديها سلطة سياسية أكبر؛ ما زاد التوترات بين هذه الجماعات الدينية.
يعاني الصابئةُ المندائيون في الأردن كأقليةً أخرى عدمَ الاعتراف، على الرغم من وجود ما يقارب 471 عائلةً، وأكثر من 60 عائلةً غير مسجلة، وفق أرقام رئاسة الجالية المندائية في الأردن؛ إذ تمنعها السلطات من ممارسة طقوس “التعميد” الخاصة بها، بالقرب من المياه الجارية في منطقة وادي شعيب في محافظة البلقاء. لذا، تستأجر تلك العائلات مزارع يوجد فيها أحواض مياه لممارسة طقوسها الدينية؛ ما يُحمِّلُها أعباءً مادية كبيرة.اِحتفل أبناءُ الصابئة المقيمون في الأردن في السابع عشر من شهر تموز/يوليو 2023 بِعِيدهم الكبير (أو الكرصة أو المندائية “دهوا ربا”)، وهو عيد رأس السنة المندائية، حيث يَلْزَم المندائيون بيوتهم مدة ستٍّ وثلاثين ساعةً متواصلةً. فهو عيد الاعتكاف والانعزال عن العالم؛ وفق تعاليم ديانة الصابئة. أيضًا وَفْق رئيس الجالية المندائية في الأردن “سمير الكيلاني”، تكبَّد المندائيون 1.500 دينار أردني في العيد الكبير لممارسة طقوسهم الدينية عام 2023.ويقول الترميذا علاء عزيز طارش أحدُ أبناء الطائفة في الأردن: إن المندائيين اعتادوا في العراق تَبادُلَ التهاني في بيت الطائفة “المندي”، بَيتِ العلم والمعرفة. أمّا في الأردن، فلا يستطيع المندائيون بناء بيت للطائفة، ولذلك يجتمعون في مكتب رئاسة الجالية. ويضيف طارش: إن أماكن الأنهار الجارية بعيدة عن أماكن سكنهم في العاصمة الأردنية عمان، فلا يمكن للكثير منهم الذهاب وتَحمُّل مشقة الطريق. أمّا في العراق، فكان الأمر مختلفًا، إذ كان المندائيون يعيشون بالقرب من نهر دجلة.
.
البهائية
لم يَجْرِ الاعتراف بأَتْباع الديانة البهائية في الأردن، ومُنعوا من نيل التصاريح اللازمة لإقامة شعائرهم، أو إنشاء أماكن خاصة بعباداتهم.
ثم إنَّ البهائي المتزوج في المحاكم الأردنية، يُعطَى دفترَ عائلةٍ منقوصًا، يفتقد رقم واقعة الزواج وتاريخها. ولا تُصدر له شهادة زواج، وهي ما يُعَدُّ مَطلبًا رئيسيًّا في الكثير من المعاملات المدنية، وخاصةً المتعلقة بتجنيس الزوجة. وبِناءً عليه، لا يستطيع البهائي الأردني منح زوجته الجنسية.
أيضًا يواجه البهائيون تحديًا في تسجيل ممتلكاتهم الجماعية من أراض أو مَبانٍ، لعدم وجود هيئة اعتبارية بهائية معترَف بها مِن قِبل الدولة، يمكن للبهائيين اللجوء إليها وحفظ ممتلكاتهم فيها، إذ لا تزال تلك الممتلكات تُسجَّل بأسماء أفراد أو مجموعة أفراد، لضمان عدم ضياع المُلكية. فيُضطرُّ البهائيون إلى تسجيلها بأسماء أشخاص ليسوا المالكين الحقيقيِّين لها؛ ما يرتب عليهم ضرائب ومخاطر. وقد يترتب على هذه المسألة دفْعُ ضرائب ومبالغ مالية كبيرة عند وفاة أي شخص، لنقل ملكيته إلى الوَرَثة؛ ما يتطلب إجراءاتٍ عدةً يمكن الاستغناء عنها بوجود هيئة اعتبارية بهائية.
المسلمون الشيعة
يُلاحَظ أنه حتى أبناء الدين الواحد يعانون التفرقة. فالدولة الأردنية تعترف بالإسلام السُّنِّي، وفي الوقت نفسه لا تعترف بالوجود الشيعي على أراضيها، وتسعى لضبطه. وقد نظرَت محكمةُ أمن الدولة في عام 2009 أولَ قضيةِ محاكَمةٍ لستة أردنيين بتهمة “الترويج للمذهب الشيعي”، لِيُفتتح فيما بعد قِسمٌ خاص في دائرة المخابرات العامة تحت مسمى “دائرة مكافحة التشيع”، على غرار مكافحة التنصير.
ووَفْق أبناء هذا المذهب، فهُم يتعرضون لمضايقات أمنية مستمرة تتمثل باستجوابهم واستدعائهم للتحقيق، ويمتد الأمر إلى رفض وَصْمة مجتمعية تتمثل برفض تزويجهم أو الزواج منهم، وهو ما يَستلزم تكتُّمَهم وعدم إعلان تشيُّعِهم. ويعود السبب في ذلك، وَفْق الباحث والمتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي “الدكتور محمد أبو رمان”، إلى المخاوف السياسية.
اللادينيون والرِّدَّة
لا تحتوي القوانين الأردنية على عقوبات تحمي الملحدين واللادينيين من التمييز المجتمعي ضدهم.
يقترن الإلحاد في الأردن بـإهانة الشعور الديني، إذ يُعَدُّ جريمةً في قانون العقوبات الأردني، تصل عقوبتها إلى الحبس مدة ثلاثة أشهر.
ولقد تعددت البنود القانونية وقرارات المحاكم ذات الآثار المتعلقة بالخروج عن الإسلام، والتي تطُول المسلمين بالولادة، وغيْرَ المسلمين أيضًا.
مراقبة خطب الأئمة
مع أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وفق المادة الثانية من الدستور الأردني، فإنَّ ذلك لم يكن سببًا كافيًا لعدم فرض الدولة سلطتها ورقابتها على الخطب الدينية في المساجد، حيث بدأت بفرض رقابتها منذ العام 2017، بالسماح بخطبة جمعة موحدة فقط، وتوزيع الموضوعات والنصوص التي يجب تضمينها في الخطب الدينية على جميع الأئمة.
وفي مثال يُجسد تلك المراقبة، انتشرت صورةٌ عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تمّوز/يوليو 2021، قال عنها ناشروها إنها لِمُراقِب المساجد التابع لمديرية أوقاف إربد الأولى، يَطلب فيها من الخطباء تصويرَ خطبة الجمعة بالفيديو وتزويدَه بها بعد الصلاة مباشرة. كانت وزارة الأوقاف وقتها قد فرَضَت على خطباء المساجد في المملكة إلقاءَ خطبةٍ عن “طاعة وليِّ الأمر”، مُلزِمةً إيَّاهم مَوضوعَها وبعضَ المَحاور التي وردت فيها.
ووفق التقرير الدَّولي بشأن الحرية الدينية في الأردن لعام 2023، الصادر عن الخارجية الأميركية، واصلَت الحكومة الأردنية مراقبة الخطب في المساجد، وطلبت من الخطباء الكفَّ عن التعليقات السياسية.
الممارسات المجتمعية
من الأمثلة على الممارسات المجتمعية المناهضة لحرية الرأي والتعبير في الدين، إجبار عضوة اللجنة الفرعية للشباب في اللجنة الملكية لتحديث النظام السياسي “وفاء الخضراء”، على الاستقالة في تموز/يوليو 2021، بعد أن انتقَدَت ممارساتِ التضحية في عِيد الأضحى قائلة: إن ذبح الأضاحي “طقوس تفتقر إلى الرحمة”. فرُفِعت ضدها شكوى رِدّة، ودعا مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إلى استقالتها، واصِفِين إيَّاها بـ”الزِّنديقة”، ومُدَّعِين أنَّ تعليقاتها تُسيء إلى الإسلام. ردَّتِ الخضراء بأنَّ تصريحاتها أُخرِجَت من سياقها، وأوضَحَت أن بعض الأفراد قدَّموا الخِراف بطريقة غير إنسانية. وقد رفض المدعي العامُّ متابعة شكوى الردة المرفوعة ضد الخضراء. (راجع)
.